الرئيسية / نجوم مضيئة / رجال في ذاكرة التاريخ

رجال في ذاكرة التاريخ

 

نجيب يابلي

 

1- محمد سعد الصنعاني: قاد ثورة موسيقية في أرض القمندان….الولادة والنشأة:حوطة الجفارية…هناك أكثر من حوطة في المناطق الجنوبية لارتباط ذلك الاسم بالعلم والعلماء والصالحين، فهناك «حوطة أحمد بن زين» جنوب سيئون و«حوطة سلطانة» شرق سيئون و«حوطة عيديد» بالقرب من تريم و«حوطة باعبدالله» في وادي غنيمة بحضرموت و«حوطة القعيطي» في القطن بحضرموت و«حوطة وادي جعيمة» في شبام و«حوطة الفقيه» في ميفعة وهناك «حوطة الجفارية» التي اقترن اسمها بمزاحم الجفار، الولي المشهور هناك.

أصبحت الحوطة عاصمة السلطنة اللحجية العبدلية وهي مكان ولادة الفنان الكبير محمد سعد الصنعاني عام 1920م، ونشأ كسائر أقرانه من أبناء دلتا تبن وحاضرتها الحوطة، الذين اتخذوا من الكتاتيب المحطة الأولى التي بصرتهم بمبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم كمرحلة انتقال إلى المدرسة المحسنية العريقة.

الصنعاني قدره الفن

ورد في كتاب «مهرجان القمندان» (1989م) الذي أعدته ابنة الراحل الكبير الكاتبة والصحفية القديرة سلوى صنعاني قائمة بأفراد فرقة أمير الفن أحمد فضل القمندان (1884م-1943م) منهم: فضل محمد اللحجي وسعد بن أحمد وحسن طفش وفضل طفش وعبدالقوي بن علي سعيد وسعيد بن أحمد ومحمد سعد الصنعاني.

شهادة الامير عبده عبدالكريم
اعتمد الأستاذ لطفي حسين منيعم في كتابه (الغناء اللحجي) على شهادة الأمير الفنان عبده عبدالكريم باعتباره أحد شهود العصر ورد فيها: «ولد الفنان محمد سعد الصنعاني في سلطنة عبدالكريم فضل وعندما بلغ السادسة عشرة من عمره تقريباً وكان قد أخذ قسطاً من الدراسة الابتدائية دفعه الميول الفني إلى أن يطلب مني عوداً ولكنه بعد فترة وجيزة اشترى عوداً خاصاً به».

مضى الأمير عبده عبدالكريم في سرد ذكريات الأيام الخوالي الجميلة التي لا ولن تتكرر إلا إذا حدثت معجزة، ومن فيض تلك الذكريات ليالي السمر الجميلة التي عاشها الأمير في مبرزه بحارة قيصى بالحوطة مع الموسيقار الكبير فضل محمد اللحجي والمبدعين محمد سعد الصنعاني وعوض سالم الطميري وكان صوت محمد سعد يشد اهتمام وإعجاب المستمعين الذين ضاقت بهم المساحة المحيطة بالدار.

تمضي الذكريات البهيجة بالأمير فيلامس روح وقدرات الصنعاني فقال: «ومن مميزاته الأخرى خفة روحه وحبه للنكتة أما قدراته اللحنية فحدث ولا حرج متعدد المقامات وألحانه جميلة وخالدة. تتلمذ على يديه خيرة الفنانين ومنهم الاستاذ صلاح كرد».

الصنعاني في ذاكرة المغلس
كما اعتمد الأستاذ منيعم (المرجع نفسه) على شهادة الشاعر علي عوض مغلس الذي سلط الضوء على خلفيات الراحل الصنعاني حيث قال: «يمكن القول إن الفنان محمد سعد الصنعاني بدأ حياته الفنية ضارب دف مع الفنان فضل محمد اللحجي وعوض سالم الطميري في المخادر». وكان ضارب الدف جزءاً من العملية الإبداعية نظراً لغياب مكبرات الصوت وبعدها انفرد بذاته وذاع صيته.

يختتم الشاعر الكبير المغلس شهادته بالقول: «ثم وصلت العلاقة الفنية أن لحن لي ثلاثة أعمال هي: 1- أنا مملوك لك عبدك، 2- جاهل مهلي زين، 3- عليه مدكم ومدحش».

الراحل الكبير في ذاكرة الرجل الكبير عبدالله فاضل فارع
أقام فرع اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في محافظة لحج فعالية ثقافية وفنية في مكتب الثقافة والسياحة بالمحافظة عصر يوم الأربعاء الموافق 29 يونيو 2005م، بمناسبة الذكرى (14) لوفاة الراحل الكبير محمد سعد الصنعاني وكان الأستاذ عبدالله فاضل فارع، أحد شهود العصر، من ضمن المتحدثين وبدأ حديثه عن عمق العلاقة التي ربطت لحج بعدن ثم تحدث عن المناسبة التي جمعته بالفنان الصنعاني في منزل عبدالله غالب عنتر، راعي الفن والأدب وكان محمد سعد الصنعاني يعتز بالعود وبدفتر أغانيه ترافقه النوتات.

غنى الصنعاني أغنية للسيد محمد عبده غانم وكانت مكتوبة بخط الشاعر جرياً على حرص الصنعاني مع الشعراء الآخرين. قال الصنعاني بعد ذلك :«لم تتضح لي كلمة فنطيت من فوق هذا البيت». رد عليه الفاضل: «ما أردت أن تفتئت على الرجل وتزيد كلمة من عندك». تم الاتصال بالأستاذ غانم من دكان عبده حسين الأدهل وشرح له الصنعاني خلفية ما حدث وأن الأستاذ عبدالله رأى أن الكلمة كذا. رد الأستاذ غانم: «اللي في بالي ماليش دخل فيها. حط الكلمة التي قالها الأستاذ عبدالله».

الصنعاني في ذاكرة الفنان الكبير سعودي أحمد صالح
أغنى الفنان الكبير سعودي أحمد صالح المداخلات المقدمة عن الفنان الراحل محمد سعد الصنعاني في أكثر من مناسبة وفاء منه تجاه أستاذه وقال: «اشتهرت الندوة الموسيقية خلال الفترة من 1958م حتى 1961م وشدا فيها عبدالكريم توفيق بثقافة الصنعاني الموسيقية وموهبته الفذة وصنعت أروع الألحان وذلك دليل على تمرد الصنعاني على النمط التقليدي الذي مله المستمع وكان ينتقل من بستان إلى بستان.

تنوعت مواهب وملكات الفنان محمد سعد الصنعاني حيث كان ممثلاً مسرحياً وملماً بالتصوير وتحميض الأفلام وفناناً تشكيلياً وخطاطاً. كان مثقفاً موسيقياً وحرص على إغناء أذنيه بفن عبدالوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش».

تتواصل سعادة سعودي بالقول: «إنني مدين لهذا الفنان لأنه أول من أجاز لي لحني «بنار الشوق» عام 1959م ونصحني بالاستمرار في مجال التلحين. كنت أتردد عليه في مجلسه لأستشيره في ألحاني الفنية، وكان رحمه الله يزودني بالنصائح رغم قسوة ظروفه، إلا أنه رحمه الله كان صابراً وقنوعاً».

عبدالكريم توفيق تربطه قرابتين بالصنعاني
عبدالكريم توفيق، الفنان المسكون في قلوب الناس قال لي: «قبل أن أرتبط به فنياً فقد ارتبطت به أسريا من جهة الوالدتين. تعلم محمد سعد الصنعاني النوتة بالمراسلة في أربعينات القرن الماضي، وكان يضع الدروس التي ترده من مصر موضع التطبيق، وبالممارسة تمكن محمد سعد الصنعاني من إرفاق النوتة مع الأغنية أثناء تقديمها.

محمد سعد الصنعاني عازف عود وعازف كمنجة من الدرجة الأولى وقد أسعدني الحظ أن أسعفني ذلك المناخ الفني الذي أخذ بيدي وأنا في الثالثة عشرة من عمري عندما كنت تلميذاً في المدرسة المحسنية بالحوطة».

رسالة الموسيقى تغلب رسالة التعليم
بدأ محمد سعد الصنعاني حياته العملية في سني شبابه الأولى مدرساً وكان من القلة الملمة بقواعد اللغة العربية والمطلعة في الأدب العربي، لكنه كان أميناً مع نفسه وابتعد عن مهنة التدريس لحبه وولعه بالموسيقى، واتجه في طريق الفن وهو لا يملك إلاّ الموهبة والعشق والسعي الحثيت للوصول إلى معشوقته التي وهبها كل شيء.

صنع محمد سعد الصنعاني العديد من الأعمال الغنائية الرائعة منها (ابو العيون السود) و (لوعتي) و(يا شاكي غرامه) و(ليلكم يا حبايب) و(أنا مملوك لك عبدك) و(جاهل مهلى زين) و(عليه مدكم ومدحش) وغيرها.

غنى محمد سعد الصنعاني لعدد من شعراء لحج منهم عبدالله هادي سبيت وعبدالخالق مفتاح وصالح نصيب وعلي عوض مغلس وعبدالله سالم باجهل وسالم زين عدس وغيرهم، كما ألف محمد سعد الصنعاني بعض كلمات أغانيه.

خريف العمر وخريف الأوضاع
لا ينتهي الإبداع عند عمر معين، بل إن عملية الإبداع تنتقل إلى أطوار عليا مع تقدم عمر المبدع، إلا أن اختناق المناخ العام يعكس ظلاله القاتمة على المناخ الخاص وينطبق ذلك على الراحل الكبير محمد سعد الصنعاني، حيث قدم كل ما عنده لمكتب الثقافة في لحج حتى وافته المنية يوم 22 يونيو 1991م، عن واحد وسبعين عاماً.

خلف محمد سعد الصنعاني وراءه ملحمة كفاحية وإبداعية جميلة وسيرة عطرة وولداً واحداً وهو الباحث المبدع م.طيار عبدالقوي (متوفى منذ عامين) وثلاث بنات منهن الصحفية والكاتبة المرموقة سلوى صنعاني.