آخر الاخبار
الرئيسية / مقالات / الخليدي وأنا .. رحلة ثقافية وحضارية على ضفاف الفن

الخليدي وأنا .. رحلة ثقافية وحضارية على ضفاف الفن

 

_ رؤانا تلاقت في فهم الحداثة الغنائية في عدن الخمسينات باعتبارها ذات بعد اجتماعي وسياسي وثقافي

– ما أثار انتباهي أن الفنان ينظر للفن الغنائي من منظور ثقافي.. وهذا ما كُنت أؤمن به

– السمو في النظر إلى وظيفة الغناء ابتدأه المرشدي وواصله الخليدي باقتدار وتجاوز به أساتذته وأقرانه

– وضع الخليدي على نفسه مسؤولية ثقافية وحضارية للتعريف بالفن الغنائي وتحليل إنتاجه

– ربما يكون من اللائق لوم الواقع الغنائي المجدب الذي جعل الخليدي كماً مهملاً.. فكانت الكتابة متنفساً

– صار الفنان الخليدي مكتبة غنائية نلتقي فيها ونتحاور حولها ..

************

              “الأديب الشاعر /نجيب مقبل”

 

✒ما الذي جمعني بالفنان المبدع عصام خليدي؟
في أوائل التسعينات كان لنا لقاءات أنا وهو ومجموعة من المهتمين بالفن والثقافة أمثال عبدالله باكدادة، علي حيمد، الفنان نجيب سعيد ثابت، والرياضي الراحل عوضين، وقبلهم الأستاذان الراحلان أحمد بو مهدي، وأحمد سيف ثابت وغيرهما كثيرون.
كانت تدور نقاشات عامة حول الفن الغنائي العدني بالخصوص، والغناء اليمني ثم الغناء العربي.
ومما أثار انتباهي أن عصام خليدي كان ينظر للفن من منظور ثقافي، وهو البعد الذي كنت أنظر إليه ، واتعداه إلى رؤية الفن العدني كحالة ثقافية معبرة عن المجتمع السياسي والاجتماعي.
وأبتدأت رؤيتنا في التلاقي عندما نظرنا إلى أن الحداثة الغنائية في عدن التي ابتدأت في الخمسينيات وتواصلت في الستينيات، كانت حداثة ثقافية رعاها عمداء الأدب والشعر، كالشاعر محمد عبده غانم، والشاعر لطفي جعفر أمان وكانت – حسب ما رأينا – مطلباً ليس ثقافياً فحسب، وإنما سياسي لفهم الهويات الوطنية لمجتمع ما قبل الاستقلال الوطني.
وهذا موضوع ربما يكون لنا وقوف معه في مجال آخر.
بالطبع، اللقاء بيننا كان في الرؤية الثقافية بمفهومها العام لحداثة الغناء في عدن بما سمي الأغنية العدنية، وندواتها الخاصة في الخمسينيات.
كان عصام خليدي بالنسبة لي قد خرج عن أقرانه من الفنانين كالفنانين المؤدين المطربين، إلى الفنان الواعي لمهنته الغنائية، وكان قارئا جيداً لحالة الغناء في اليمن وفي الوطن العربي وما وصلت إليه.
ولذلك جمعتنا، وإياه، لقاءات شخصية منفردة، أنا أحببت الغناء كمتلقٍ متذوق، ذائقة زرعها فـيّ أستاذي الجليل أبوبكر القرشي المغرم حتى نخاعه بالغناء العربي وأساطينه وعلى رأسهم أم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب، والذي كان يجادلني أنا الطفل في الصف الثاني ابتدائي عن أغنيات أم كلثوم.. حتى انني في يوم من الأيام وأنا في الصف الرابع الابتدائي في بداية السبعينيات، استعرضت أمامه أغنية أم كلثوم (الاطلال) .. فقال لي بصوته الممزوج بابتسامة استثنائية لا يحملها إلاَّ هو .. هل سمعت أغنيتها (الأمل)، فجلست أمامه فاغراً أبكم وهو يستعرض كلماتها وينشد قليلاً بعضاً من مقاطعها.
المهم .. كان في أيامنا الأستاذ أو مربي الصف بالنسبة لأوائل الطلبة والنبهاء منهم أخاً أكبر يجادلهم في موضوعات خارج الدرس والنص ويتناول موضوعات أكبر من سنهم كتربية لثقافتهم.
وكان حظي مع الأستاذ القرشي أن يربي فـيّ ذائقة الفن والغناء من الفنانين العظام أم كلثوم إلى كارم محمود إلى محمد فوزي وقبلهم جميعاً موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب وفي قليل من الحديث عن سيد درويش.
من الأستاذ القرشي تربت ذائقتي الغنائية كمستمع أزعم انه مستمع جيد، وصاحب صوت لا يضاهيه إلاَّ نهيق الحمير، طفولتي تربت على استماع أم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب، وفوزي، وكارم ومحمد قنديل وغيرهم.
عندما علم الصديق عصام في حواراتنا الخاصة هذه الخاصية التذوقية للغناء لدي، دلق عليَّ ماء تجربته قبل الاحترافية قبل امتهان الغناء، كان عصام حافظاً لكل أغاني عبدالوهاب ومعظم أغاني محمد فوزي، وقائمة طويلة من الغناء العربي وقبله الغناء اليمني .. وصار بالنسبة لي مكتبة غنائية بشرية استمتع بسماع مقتطفات منها في كل مرة نلتقي فيها ونتحاور حول الغناء .. وكان أكثر حفظاً لأغاني القصائد الفصحى.
ما كان يميز الفنان خليدي أن الرجل لا يحفظ الأغنيات ومنها الاغنيات العصماء والقصائد عالية الشعرية كالجندول والنهر الخالد..
انما ميزته الحقيقية انه كان ينظر إلى الأغنية كنص غنائي قابل للتحليل الغنائي والايقاعي وأيضاً – وهذا ما كان مشتركاً بيننا- رؤية الغناء والمغني ليس كطرب ومطرب، وإنما كعمل ثقافي بامتياز.
لقد كانت ثقافة الخليدي الفنية والغنائية هي ما تزيد إلى ذائقتي الفطرية ثقافة غنائية متخصصة تسمو بي إلى عوالم آسرة من فهم للأغنية وللمغني والموسيقار والملحن وللغناء بكليته كثقافة، انهل من لسانه الذرب اعذب وأنضج ما سمعت وتلقيت من معلومات.
هناك الكثير من الفنانين العظام ولكنهم لا يتعدون حدودهم الحرفية كالغناء والتلحين وبالكاد فهم فن الموسيقى .. لكن الخليدي كان يرى ابعد من كل ذلك إلى الرؤية الثقافية والمجتمعية لحرفة الغناء.
لقد زادت ثقافتي الغنائية كثيراً على كونها رؤية فطرية للغناء اليمني والعربي والعالمي، رؤية تذوقية، إلى فهم كيفية صناعة الغناء، وربطه بالمجتمع عاماً كان أو نخبوياً.. وهنالك الكثير من القصص المرتبطة بعوالم الفنانين والموسيقيين التي كان يرويها وتحمل معاني ورؤى وتحليلاً لحالة أو قضية تبدأ غنائية ولا تنتهي ثقافية أو اجتماعية أو سياسية.
كل ذلك ما جمعني بالفنان عصام: رؤيتي لفن الغناء كحالة ثقافية، فوجدتها من خلال تحليلات ورؤية الخليدي كذلك .. وبذلك اصبح لدينا ان الأغنية مثلها مثل القصيدة والقصة، والفيلم، والمسرحية لاتنقص عن أحدها بشيء من القيمة .. والطريق إلى هذا الفهم وجدته عياناً في رؤية وتحليلات الفنان عصام خليدي التي تجلت فيما بعد في رؤى نقدية وتحليلية لفنانين يمنيين وتحليلات لبعض الأغاني، كان لي شرف نشرها على الصفحة الثقافية لصحيفة (14 أكتوبر) عندما كنت رئيساً للقسم الثقافي والملحق الثقافي في منتصف التسعينيات.
الكثير من معشر الشعراء والأدباء والكتاب الصحفيين وحتى السياسيين كانوا يلقون السؤال ذاته، ما الذي يجمعك بعصام .. أنت شاعر وهو فنان .. قد يلتقيان ويتصادفان على المستوى الانساني والشخصي، ولكن علاقتكما أبعد من ذلك؟
فعلاً .. أنا كأديب ومثقف مؤمن بأن الغناء ثقافة أو جزء ومكون من مكونات الثقافة وبالتالي جزء من الحضارة وليس تسلية وتطريباً على المقيل أو المسرح أو حفلات الزواج أو حفلات… والتقينا أنا وعصام على هذا الموقف وعند هذه الرؤية.
كانت هذه الحساسية عالية عند الفنان الكبير محمد مرشد ناجي .. كان يقول عن نفسه أنا لست مطرباً ولا فناناً .. أنا رجل سياسة وثقافة، هنا الانكار كان سببه النظرة الدونية المجتمعية للمغني وللغناء عموماً، والمرشدي فنان مثقف لا يريد أن يحصر موهبته الغنائية كواحدة من أدواته الثقافية في التطريب والتسلية.
كان يرى نفسه أكبر من مسلِّ وراء المايكروفون.. ويرى في صوته وألحانه قيمة ثقافية .. ولذا احترف العمل السياسي وصادق في حياته الخاصة كبار السياسيين، ومن اصدقائه الأقربين كان الشاعر محمد سعيد جرادة، وعبدالله فاضل فارع، وسياسيون كبار أمثال محمد سالم باسندوة.
هذا التعالي والسمو في النظر إلى وظيفة الغناء وأهدافه كان خطاً مشتركاً ابتدأه الفنان الكبير المرشدي وواصله بتفرده الخاص الفنان عصام خليدي.
الخلاف مثلاً بين الموسيقار أحمد بن أحمد قاسم والفنان محمد مرشد ناجي أن الأول كان مبدعاً ومجدداً وحداثياً في الموسيقى والغناء لا يضاهيه أحد من أقرانه، لكنه كان كل هذا الإبداع في مجاله الخاص (الغناء ، الموسيقى)، أما المرشدي فكان فناناً مثقفاً يحترف الغناء كما يحترف الكتابة، ابن الوسط الغنائي والموسيقي كما هو ابن الوسط السياسي والثقافي في كل مراحله.
أحمد قاسم ابن حالته الموسيقية والغنائية، وقد لا تجده في حديثه الخاص ما يدل على رؤية ثقافية ولكنه يصنعها بفنه وغنائه، أما المرشدي فكان يصنع هذه الحالة، وفي قدرته ان يحلل: لم، ومتى، وأين و كيف وما خلفيتها.. المرشدي صاحب ريشة عود ويراع كتابة.. وهذا ما هو عليه عصام خليدي.
لذلك المرشدي كمثقف أصدر كتابه (فن الغناء اليمني) وله كتابات ثقافية وأدبية وتاريخية. أما القاسم فكان موسيقار غنائه وموسيقاه ولا يتعداها في التحليل المكتوب والمستحضر وإنما تصنعه.
كان الخليدي أميل إلى المرشدي في تكوينه الذاتي، وزاده انه له رؤية نقدية لتحليل النص والهارموني لأغاني الفنانين الرواد الذين يحلل تكويناتهم ونصوص أغنياتهم الأدبية والموسيقية الهارمونية.
وقد تفرد عن الجميع بهذه الخاصية بمن فيهم الرواد أمثال المرشدي، فانتقل بسلاسة إلى مستويين متقابلين كفنان مطرب ومحلل كاتب.
وأمنيتي أن تجمع كتاباته التحليلية والنقدية في كتاب سيكون رافداً للمكتبة الغنائية والثقافية والتراثية اليمنية.
الخليدي لا يتمسح بالأدباء والمثقفين لكي يقال عنه مثقف، ولكنه اختار صداقاته معي ومع غيري من المثقفين لانه يجد فيهم قاسماً ثقافياً مشتركاً .. وهذا ما لم يفطنه العامة أو ترى الواحد منهم يقول: ما الذي يصنعه للدخول في عالم الكتابة والصحافة وهو ليس مجاله وليتفرغ للغناء فقط وهو مجاله، كما يزعم الكثير ويثرثر به الغائبون عن حقيقة مكونات الخليدي ورؤاه ومرجعيات نشأته ومكونات ثقافته وحرفته.
الخليدي جمع بين الفنان المطرب بصوته العذب، والملحن الماهر بموسيقاه وإيقاعاته الخاصة، وإلى ذلك المجال الاحترافي الغنائي يضع على نفسه مسؤولية ثقافية للتعريف بالفن الغنائي والفنانين وتحليل انتاجهم الغنائي، وتبيان انجازات كل فنان وموسيقي في تاريخ الغناء .. وهو مسؤولية ناتجة عن مكونه النقدي والتحليلي لعالم الموسيقى والغناء.
البعض يعتقد أن الخليدي ترك الغناء والموسيقى واتجه للكتابة بعد أن أنهى دوره في حرمة الغناء والموسيقى .. وهذه نظرة ليست قاصرة بل ظالمة.
فالفنان الخليدي لديه انتاج غنائي مذاع ومعلن ولكنه لا يبث لأسباب تتعلق باللحظة التاريخية والسياسية التي تعيشها عدن والجنوب .. واليمن عموماً.
كما لديه انتاج غنائي وموسيقي غزير لم يرَ النور .. ولم يستطع أن يظهره للناس لنفس الأسباب السابقة.
زمننا الحالي ضد المواهب الإبداعية، فما بالك بضديّته للقامات المبدعة، ولذلك عندما ضاقت على الخليدي وسيلة نشر ابداعه الموسيقي والغنائي كانت الكتابة وسيلته للتواصل مع الجمهور العام والنخبوي الخاص.
ويخطئ من يقرر ان عصام خليدي فنان ترك مهنته الغنائية والموسيقية واتجه للكتابة الصحفية والثقافية والفنية رغم أن ذلك ما يبدو على السطح.
أخذ الفنان خليدي على عاتقه التعبير عن ذاته ومنها ذاتيته الغنائية والموسيقية أو الانسانية والاجتماعية بأشكال متعددة ومن ضمنها الكتابة التحليلية وحتى الكتابة العامة التي لا تمت للغناء بصلة.
وربما يكون من اللائق لوم الواقع الغنائي والوسط الموسيقي المجدب في بلادنا أن جعل من الخليدي كماً مهملاً في تقديم ابداعاته، ودفعه دفعاً إلى التعبير والتنفيس عبر الكتابة.
وحقيقي انني اتفق أن الفنان الخليدي بحاجة إلى من ينظر إليه كقيمة غنائية تنتمي إلى زمن الفن الجميل كجيل المرشدي وأحمد قاسم والزيدي والعطروش والعزاني.. و .. ولكنه مصدوم بواقع مجافٍ للابداع والفن.
اذن لماذا لا يظهر الخليدي انتاجه الفني؟ سؤال دائماً ما يطرحه محبو الفنان، فيرد: أنا لم أتوقف عن التلحين وإنتاج الاغاني .. ولكنني توقفت عن بث هذا الانتاج المخبوء حتى لا يظهر مشوهاً .. ويعدد الخليدي أسباب عزوفه عن الظهور الفني – كما رواها لي – إلى:
– سياسة السلق الفني التي تتبعها الجهات الحكومية وخاصة في المناسبات التي تنعدم فيها كل مقومات انتاج اغنية محترمة، ومنها حفلات المناسبة بأغان معادة.
– عدم وجود فرقة موسيقية متخصصة للإذاعة والتلفزيون لتقوم بتسجيل اغاني الفنانين بصورة لائقة واعتمادها على ما توفر من الامكانات، والظهور في الشاشة امام المايكروفون كما يظهر الفنان في حفلة مقيل.
– عادة الحفلات والمقايل الخاصة التي تقتل الصوت المبدع، والمواهب الواعدة.
– عدم وجود سياسة للدولة ممثلة بوزارة الثقافة تجاه الرقي بالفن الغنائي وأدواته وآلياته.
– عدم وجود شركات محلية خاصة تنتج الأغاني الناجحة بإمكانات موسيقية متكاملة تظهر العمل الغنائي في أحسن صورة، لا ان تظهر الأغاني على ايقاع….
– تعمد بعض الجهات معاداة الفن الحقيقي وجريها وراء الفن الهابط.
– الضعف بل العدم في تلبية الحقوق المادية للفنان ليكمل ضياع الحقوق المعنوية له.
ولذلك لجأ الخليدي إلى الصمت والسكون الغنائي محتفظاً بنوتات اغانيه على الورق، وبروفاته الخاصة على الشريط أو الديسك بالصوت والعود.
الخليدي يتمنى أن تكون وراءه فرقة موسيقية لائقة .. وأن يكون هناك توزيع هارموني للأغنية يظهر الجماليات التعبيرية للموسيقى .. وأن تظهر الأغنية متكاملة الأركان.
بجملة .. يعتبر عصام خليدي ان هذا الزمن هو الأردأ في الحياة الفنية المعاصرة، وقدره أن يكون في تلابيب هذا الزمن الفني الرديء يريد ان يغرقه في أوحاله، وهو يحاول التشبث بقشة الأمل في غدٍ لامع.