آخر الاخبار
الرئيسية / مقالات / في الليلة الظلماء يفتقد البدر

في الليلة الظلماء يفتقد البدر

 

✍🏻 عبد الحليم سيف :

 

جمال عبد الناصر ….آخر الزعماء..وآخر الرؤساء..وآخر الشرفاء..وآخر الأولياء..وآخر العظماء وآخر العمالقة..

.نعم .. إن عبد الناصر بحق رجل استثنائي، وقائد تاريخي، سيبقى خالداً في الذاكرة الجمعية العربية والإسلامية والإنسانية..، كما أن صورته الحية ، تظل منقوشة في عقول الملايين من البشر.

شخصياً مازلت أتذكر عندما كنت صغيراً في عدن ؛ خلال ستينيات القرن المنصرم؛ كيف كان الآباء والشباب ، والمثقفون يحلقون حول جهاز ” الراديو”؛ عندما ينقل عبر أثير إذاعة صوت العرب ، خطابات عبد الناصر، وهو يتحدث عن الحرية والعدالة الإجتماعية، والمساواة ، والتسلح بالعلم والمعرفة ، إلى عنفوان الثورات في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ، من أجل تحقيق الاستقلال، والتخلص من الرجعية ، والمستبدين والطغاة، والحث على بناء الأوطان بسواعد أبنائه.

وحين يخاطب الشعوب العربية بقوله :” ارفع رأسك يا أخي فقد ولى عهد الإستعمار”..، كان الناس ينهضون من كراسيهم في المقاهي والمطاعم ، ليقفوا مع غيرهم ، لتلتهب أكفهم بالتصفيق الحار،كان يفعلون ذلك بحماس وحب حقيقي، .ونبرة الفخر تظهر عفوية على ملامحهم.

ولن أنسى ماحييت ، مارأيته غير مرة في شوارع الشيخ عثمان ، بعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م المجيدة، حين خرج الناس، صغارهم والكبار ، في تظاهرات جماهيرية صاخبة ، للتعبير عن فرحتهم بالثورة، وهم يرفعون فوق رؤوسهم صور عبد الناصر –بالأبيض والأسود — ..وهي ذاتها استقرت “كأيقونة” على حائط جدران البيوت والمحلات التجارية والمطاعم والمقاهي, والمدارس الأهلية والنوادي الرياضية, وفوق السيارات…

كنت بين الفينة والأخرى، أتأمل بفضول طفولي في صور “جمال ” ، فيشدني ذاك “المنديل الأبيض” الأنيق “أشبه بهرم”، وهو يبرز في أعلى الجيب فوق القلب.

وبعد زيارته لليمن في إبريل 1964م، وسماعي لخطابيه في ميدان التحرير بصنعاء، وميدان الشهداء بتعز وسط طوفان بشري – كانت إذاعة صنعاء تنقلهما- وهو يصف الشعب اليمني بأسمى وأجل العبارات والكلمات.. ، ويكرر أن ثورة اليمن تعد أنبل ثورة إنسانية، عرفتها البشرية وأنها غيرت مجرى الحياة في اليمن.. ، وستمتد آثارها إلى الجزيرة العربية..،.إلى صوته المدوي من تعز يخاطب المملكة المتحدة :” على الإستعمار البريطاني أن يحمل عصاه ويرحل من أرض جنوب اليمن الحر الثائر …”.

بعد هذه الزيارة التاريخية ، وهي الأولى والأخيرة لزعيم القومية العربية ، غامرت بإرسال رسالة للسيد الرئيس جمال عبد الناصر ..، عبرت بسطورها المرتعشة ؛ وبلغة بسيطة عن إعجابي به، وطلبت أن يرسل لي تلك الصورة الأنيقة والفخمة والمهيبة..، لم يمض وقت طويل على إرسال رسالتي ، حتى حمل ساعي البريد ظرفا ، وعليه اسمي الرباعي ” السيد عبد الحليم سيف محمد غالب المحترم” ..فضضت المظروف وسط دهشة والدي (رحمه الله )..فوجدت رسالة مطبوعة على آلة كاتبة..مما جاء فيها كما أذكر : أن السيد الرئيس جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة تلقى رسالتك المفعمة بمشاعر القومية والعزة والكرامة…” ، وفي سطور ختامها : ويسرني أن أبعث إليك صورة السيد الرئيس جمال عبد الناصر التي طلبتها كهدية…” التوقيع : فلان الخولي مدير مكتب الرئيس جمال عبد الناصر .
وكررت المغامر مرة ثانية ..فبعثت للرئيس الخالد جمال عبد الناصر ، رسالة طلبت منه كتاب “فلسفة الثورة ” ، وكان أن تلقيت ما طمعت فيه بسرعة قياسية.

مناسبة هذه التناولة السريعة تأتي في الذكرى ال (65) لثورة 23 يوليو 1952م، بقيادة عبد الناصر ورفاقه الضباط الأحرار، وهي تحل اليوم في ظروف كارثية؛ وأوضاع قاسية؛ ومأساوية؛ تعصف بالعرب من محيطهم التائه إلى خليجهم المشتعل..، بعد أن ” فقدوا البوصلة والزعامة المحنكة “، وهذا ما يؤكده صدق وصف أحد الزعماء الأفارقة، لا يحضرني اسمه الآن :” إن العرب والأفارقة أصبحوا أيتاما غداة رحيل عبد الناصر..”، وذلك ليلة الإثنين 28 سبتمبر 1970، بعد أن رأس قمة عربية عاجلة بشأن فلسطين عقب أحداث -عمان بين الجيش الأردني ومنظمة التحرير الفلسطينية – ما عرف إعلاميا” بأيلول الأسود”، وهي لم تكن ليلة عادية..، ليلة غاب عنها ضوء القمر.. وتوارت النجوم.. واشتدت العتمة الحالكة..؛ يومها كانت الفجيعة كبيرة..؛ ارتجف العالم من اقصاه إلى اقصاه، وانكسر شيء ما داخل كل عربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي..

وصار لسان الحال يردد في كل مدينة وقرية وبيت : ” في الليلة الظلماء يفتقد البدر” .

ترى كم سيستمر ذاك الغياب ؟!
لا شك سيكون طويلاً.. طويلاً.. طويلاً.!!
طيب الله ثراك يا جمال عبد الناصر.