الرئيسية / مقالات / من لي بحامد جامع …؟!!!

من لي بحامد جامع …؟!!!

 

 

✍🏻:    محمد عمر بحاح ..

مات حامد جامع …… !
هكذا قالت انباء صباح الاثنين الحزين لتلقي بحزن ثقيل على قلبي المثقل اصلا بأحزان لايمكن ان يحتمل المزيد منها لكثر مافجع بموت الاحباب والاصدقاء والاصحاب . وحامد جامع كان اكثر من صديق وصاحبا كثيرااااا وحبيب القلب فكيف لايحزن لفقده وكيف للعين الا تدمع لموته المفاجيء في صباح عدني لايحتمل المزيد من موت واحزان لكثر مارزئت هذه المدينة بموت ابنائها المساكين وشيعت من فلذاتها الطيببن الى التراب الطاهر الذي خلق منه اباهم ذات ارادة إلهية ليكون خليفة في الارض .
مات حامد جامع …….
كنت اظنه لا يموت .. ليس لأنه لن يموت كما يموت كل البشر بل لانه كان اكثرنا انسانية وصلابة امام صعوبات الحياة وعدم الاهتمام بزخرف الدنيا وبالمال والوظائف وحتى الاكتراث بالموت رغم انه عاصر اجيالا ماتوا من حوله من الاهل والرفاق والاصدقاءوسارفي جنازات من استطاع منهم. والكثير منهم لم تسعفه الحروب و الموت الجماعي ان يمشي فبها .. بعضهم مات بصورة طبيعبة بالمرض وبعضهم قتلا برصاص المحتلين واكثرهم برصاص الاخوة الأعداء في صراعات اخوة الدم والوطن .. وكان معاصرا لها وشاهدا عليها لكنه لم يشارك في جرائمهم وان استنكرها وتجرعها بصمت ومرارة ..
مات حامد جامع …….
كما يموت كل البشر .. وكنت اظنه لايموت ! لكثر مازف اموات الى مقابر المدينة . لكثر مارأى من موت عبثي خلال   الصراعات الدموية بين الرفاق . بينهم رفاق له ولنا .. اصدقاء لنا وله .. اعزاء له ولنا من كل الأطراف ..والكثير منهم لم يعرف لهم قبرا .. وفي كل مرة لايكون حامد جامع منهم مع ان الذئب يكون على بعد خطوة منه !
في كل موت يخرج حامد جامع من بين رماد المدينة كأنه فيينيق عصري يلملم اشلاء احبته و ندى حزنه ويشحذ الأمل في البسطاء من شعبه بأن الغد الأجمل آت وان الاحلام التي حلم وحلموا بها بحياة حرة كريمة حتما ستولد من رحم هذا  الخراب ..
من اين كان لحامد جامع كل هذا الايمان .. كل هذه الطاقة على الاحتمال .. على الصبر .. على الأمل .. على الحب والتسامح مع نفسه ومع الاخرين ؟  كيف لم يكن له خصوم سياسيون وهو اليساري الذي لم يتخل عن يساريته في وقت كانت دماؤهم مباحة بفتاوى دينية وسياسية ؟! كيف لم ينزلق الى صراعات الرفاق الدموية وكل منهم يزعم انه اليسار الحقيقي وسواه انتهازي يميني او انتهازي يساري ؟! كيف لم يتهافت مع المتهافتين على المناصب يوم كانت الوظيفة الحكومية مصدر الرزق الوحيد الباقي بعد ان لم تبق. التأميمات على شركات او صحف خاصة ؟!! كيف لم يفعل وقد فعل كثيرون حلوا رداءهم الماركسي وعادوا الى ثوبهم البدوي وخنجرهم الذي اغتالوا به رفاق النضال . كيف لم يتنكر ليساريته كما فعل كثيرون عند اول اخفاق وحلقوا لحى ماركس ولينين وكاسترو وربوا لحى الزنداني وبن لادن وراحو يقاتلون في تورابورا وعادوا منها افغانا عرب مقاتلين في جيوش عفاش التي اجتاح بها عدن والجنوب عام 19994

مات حامد جامع ……
لن نراه بعد اليوم بابتسامته الدائمة وسحنته السمراء التي تشبه جبال عدن البركانية جالسا امام باب سينما هريكن المغلق حيث اعتاد ان يجلس مساءاته العدنية الحارقة مع رهط ممن تبقى من اصدقاء العمر ممن استعصوا على القتل او الموت مثله …!
مات حامد جامع ……
ولن التقي به بعد الان .. ولا اتصور عدن بدونه .. وهل يتصور احد عدن بدون بحرها .. بدون ساحل ابين وبحر صيرة وجولد مور والغدير وشاطيء العشاق .. وهل يتصور احد عدن بدون جبالها الأزلية .. بدون شمسان. التعكر .. صيرة وجبل حديد ..؟! وهل يتصور احد عدن بدون عدن ؟!! بدون كريتر ومساجدها .. بدون العيدروس وابان وابن علوان وعشرات غيرها ؟ وهل يتصور احد عدن بدون حواريها : حافة القاضي .. حافة حسين .. حافة القطيع .. حافة العيدروس الخ .. وهل يتصور احد عدن بدون اسواقها : السوق الطويل .. الزعفران .. سوق الطعام .. الذهب .. البز ….. وهل يتصور احد عدن بدون حامد جامع ؟!!
كان فيه من كل ذلك .. بل كان كل ذلك .. كان عدن وعدن هو … !
مات حامد جامع ……
لن اراه بعد اليوم .. لن أجلس معه كما كنا نجلس كل مساء في باحة اتحاد الفنانين في كريتر مع رهط من مثقفي عدن من شعراء و مسرحيين وكتاب قصة وصحفيين : عمر الجاويوفريد بركات والقرشي عبدالرحيم واحمد محفوظ عمر وحسين السيد وسعيد عولقي ومحمود اربد ومحمد مدي وعلي احمد يافعي ومحمد منان وفيصل محمد عبد الله نناقش في بريخت وجوركي وناظم حكمت وشكسبير وسواهم من كتاب الرواية والشعر والمسرح عربا واجانب ومحليين .. وكان حامد جامع كمثقف وقاريء باللغتين العربية والانجليزية ومترجم ضليع وحافظ لعيون الشعر العربي نجما في فضاءاتنا في تلك الامسيات وكانت تلك الجلسات واحدة من المدارس التي تعلمنا منها معنى ان يكون المرء مثقفا وقارثا ومنصتا ومحاورا .. وكان حامد جامع يحمل الكثير من تلك الصفات ا كلن لم يكن كلها ..
مات حامد جامع ……
لن ارى ابتسامته العذبة كندى ورد الصباح التي يبادرني بها كلما التقاني او التقى احدا وكأنها علامته الخاصة رغم الاحزان والمصائب والمصاعب التي تثقل كاهله فلا تعرف هل هوحزين ام سعيد لكن تلك الابتسامة تمدك بطاقة ايجابية حتى قبل ان يتكلم ..
لن اسمعه يقول لي بعد الان : ياخال !  كما كان يبادرني كلما التقينا .. وكان يقولها بالصومالية ( ابتي ) في إشارة تحبب واعتزاز  بجذورنا الإفريقية المشتركة حيث ولد لإبوين صوماليين في عدن وولدت لإبوين حضرميين في حيس لكن جدتي لإمي امرأة صومالية ثم نواصل حديثنا بعد ذلك باللهجة العدنية ..
وكان يفتخر بصوماليته ولكنه ايضا بعدنيته وانحيازه الى عدن التي ولدفيها في زمنها كمدينة كوزومبولييتة اختلطت فبها كل الاعراق كل الديانات كل الثقافات تعايشت وتلاقحت فيها , وظل وفيا لهذه المدينة ولروحها وارثها الحضاري والانساني حتى وهويرى الكثير منها يدمر امامه على يد من يتوخى ان يتشربوا بقيمها المدنية لكنهم للأسف كانوا من الذين قال عنهم جدنا ابن خلدون انهم يدمرون الحضارة !!
مات حامد جامع ……
فمن اين لي جمال روح كجمال روحه .. ابتسامة كابتسامته .. ثقافة كثقافته .. شغفا بالقراءة كشغفه .. تسامحا انسانيا كانسانيته .. تسكعا لذيذا كتسكعه .. صوفية كصوفيته .. شغفا بالحياة كشغفه الخاص بدون مال ولانساء ولا ابناء ولامنصب .. من اين لي ذاكرة كذاكرتة تستحضر التفاصيل .. تفاصيل التاريخ والماضي السحيق .. وتفاصيل الجغرافيا وتضاريس المدن وتفاصيل الحاضر والحلم بالمستقبل يزداد تمسكا به كلما ابتعد .. لكنني ازعم انني املك مثله حبنا لعدن .. هذه المدينة التي لانكف عن حبها الا بمزيد من الحب ..
مات حامد جامع ……
فمن اين لي حامد جامع ؟!! حتى اساله كيف احتمل الحياة بدون عبد الله باذيب وعبد المجيد السلفي ومحمد سعيد مسواط وعمر الجاوي وعبدالرحمن عبد الله. واحمد سعيد باخبيرة وعبدالرحمن خبارة وزكي وفريد بركات واحمد سالم الحنكي وفاروق علي احمد وفاروق رفعت وجمال الخطيب وعبد الرحمن بلجون وكل الرفاق والاصدقاء الذين غيبهم الموت ونسيوا ان يدعوك الى عرسهم !!
ومن اذا جئت الى عدن وسألت عنك وعنهم  يدلني على قبرك وقبورهم ؟!!!