الرئيسية / مقالات / مرة أخرى: عَلاَمَ نشهد !!

مرة أخرى: عَلاَمَ نشهد !!

 

 

✍🏻 عبد الحليم سيف ..

رسم فنان كاريكاتيرا ؛ يظهر فيه فيلق من مصوري التلفزة والفضائيات ؛ والصحف المقروءة ؛ وهم يلتقطون بعدساتهم الذكية صوراً لطابور طويل..طويل من البشر..له بادية ..وليس له نهاية..يضم أطفالاً ونساءً وشبابا وعجزة ؛ يمضون في “طريق المجهول” ؛ بعد أن أصبحوا بلا وطن ..كما فقدوا كل ما يملكون .بفعل حروب التمزيق والتفتيت والفتنة الطائفية ؛ التي يشهدها العالم العربي ؛ من أقصى نقطة في شرقه؛ وحتى آخر فاصلة في غربه.

ونلاحظ أن “الكاريكاتور ” نشر تحت تعليق تهكمي يقول : ” أليس من واجب الصحافيين ملاحقة المذنبين عوضاً عن ملاحقة الضحايا ” (؟!).
من يتأمل هذا الكاريكاتير البديع ؛ ويقارن بما يسمعه في نشرات أخبار الفضائيات ؛ ويقرأ في الصحف السيارة ؛ والمواقع الإلكترونية ؛ سيجده أعمق تعبير عن السخرية اللاذعة ؛ والاستهجان الصارخ ؛ والإدانة القوية ؛ لحاملي الكاميرات والأقلام ؛ ومن خلفهم القائمين على توجيه وإدارة منظومة “الميديا” ومالكيها في غير بلد..، لكونهم لا ينقلوا معاناة وآلام ضحايا الحروب ؛ بالصوت والصورة والكلمة كما ينبغي..؛ بل يكتفي كثيرون بالتقاط صور للضحايا ، ثم يبثون ما يشاؤون منها لإخفاء الحقائق وتوظيفها سياسيا .!!

الأفدح أنهم – أي الإعلاميون- يتحدثون بإسم الضحايا المدنيين دون إشارة لأسمائهم.. وأعمارهم ..ومناطقهم ..وكيف قضوا..أو اصيبوا ؟!

والانكى أيضاً ..لا أحد يسأل الألف من المشردين والنازحين واللاجئين والجرحى..على ماذا يعيشون.. ؟ وأين ينامون.. وفي أي ظروف..؟.. ماذا يأكلون ويشربون..؟ وكيف يواجهون الأخطار المحيقة بهم ؟.

الإعلام لا يهتم بالقصص الإنسانية، ولا يروق له الإقتراب من آهات الجرحى وآنات الأمهات الثكالى ، وعذابات المصابين والمعاقين..، لكي يعرف العالم المتحضر جداً ؛ والإنساني حتى النخاع والعظم ؛ وبالأخص منظمات الأمم المتحدة ومجلس أمنها العتيد ؛ و”الدئمون” فيه.. الذي يقفون كبارهم وراء تلكم الحروب القذرة..وماذا فعلت أسلحتهم الفتاكة بشعوب المنطقة التي باعوها لأنظمة غاشمة بالبترودولار !!.

أقول إن الميديا المحلية والإقليمية تنقل جزءاً بسيطاً جداً من المأساة ..؛ في حين لا يبحث العاملون فيه عن القاتل الحقيقي..، ولا متابعة أو رصد لجرائم الحروب.. وجرائم ضد الإنسانية ؛ – بحق المدنيين العزل- ، التى يرتكبها أعداء الحياة والإنسانية.

نعلم أيضاً ان مدفعية وكتائب الإعلام العالمية ؛ وعلى رأسها الأمريكية والأوروبية ؛ لا تكترث هي الأخرى بضحايا الحروب العاصفة بمنطقتنا العربية ؛ بقدر ما يهمها ..كم حجم الأسلحة ونوعيتها ؛ المبتاعة لدول الثراء العربي والخليجي تحديدا؛ً والترويج لأشد الأسلحة فتكاً بالبشر والحجر.
وليس مبالغة القول إن ما تنقله كاميرات الفضائيات والمصورين الفتوغرافيين ؛ من مشاهد دامية ووحشية ، في المنطقة لا تساوي شيئاً..العالم لا يرى ما يجري في كل دقيقة وساعة ويوم وأسبوع وشهر من فضاعات وبشاعات وأهوال ؛ وكوارث الحروب والصراعات والنزاعات .
نحن مثلاً..نرى الضحية ولا نرى الجلاد.
تصطدم بمشهد إمرأة ؛ ملقى على ناصية شارع قضت برصاص قناص قاتل ..؛ أو تنتشل جثثا لفتيات من بين ركام أنقاض منزل قصف بقذيفة مدفعية..أو صاروخ طائرة.

ترى صوراً لاشلاء أطفال مزقت أجسادهم صواريخ ولا ترى اجسام عربات الكاتيوشا..تشاهد المقتول يغرق بدمه ؛ ولا تتبين ملامح قاتله..تبصر أعمدة الدخان ترتفع..وتسمع أصوات الانفجارات تدوي؛ ولا ترى الدبابات التي أطلقت قذائفها على المساكن..تلمح النيران تشتعل في موقع أو مبنى بفعل صاروخ طائرة القت بحممها على من فيه..وتسمع ازيزها.. ولا ترى طيفها في السماء.

للأسف لم يعد للإنسان قيمة ؛ في زمن الحروب القذرة..، كما هو غائب في ضمير الدول الكبرى ، التي تخطط للفتن وإشعال حرائق الحروب الأهلية والطائفية..، تارة بذريعة مكافحة ما تسميه بالإرهاب..وهو صنيعتها ..وطورا بإنشاء تحلف دولي للحرب على “داعش “.. وهو من بنات فكرها..وأحياناً تحت شعار حماية الأقليات وحقوق الإنسان والاصلاحات السياسية والاقتصادية والإدارية ؛ وهي لا تريدها أصلا.

وبالمقابل لا دور للإعلام في توثيق جرائم الحروب ؛ وانتهاكات المتحاربين للقانون العرفي..والقانون الإنساني الدولي ومعاهدات حقوق الإنسان والأطفال واللاجئين والمدنيين المحميين بقوة تلكم المواثيق..وحتى قوانين الحرب ؛ وبيع الأسلحة الفتاكة ؛ والمحرمة -منها-دولياً.

إذن.. الخلل يكمن في أن ترسانة الإعلام الضخمة على مستوى العالم ..التقليدية منها والإلكترونية،و هي في واقع الأمر غير مستقلة..فمن يملكها هو من يحدد أجندتها..وأهدافها .ووظائفها..ماذا تنقل ؟! وكيف تنقل ما تنقل ..؟ أو تبث أو تنشر ؟! وعلى ماذا تعتم؟!

ووتبقى الشعوب وحدها هي ضحية الإعلام المضلل..والحروب العبثية ..وتلكم هي الطامة الكبرى…!!