الرئيسية / مقالات / الشاعر لطفي جعفر أمان . . قراءةٌ إبداعية في آلآداب الأجنبية ” الحلقة الاخيرة “

الشاعر لطفي جعفر أمان . . قراءةٌ إبداعية في آلآداب الأجنبية ” الحلقة الاخيرة “

 

✍🏻: ديب قاسم ..

 

 

وفي مسارب الأدب الأخرى ، جعل لطفي أمان يدفع الناس حثيثا ( في عدن __ واليمن عموما ) ويقودهم في الإتجاه صوب ” الواقع ” .. ومن مادته يغرف لهم الغَرفة الواحدة ملء يديه .. فيذهب إلى هينريك إبسِن Hinrick Ibsen على مشارف انهيار الأرستقراطية الأوروبية قبل أن يصعق الغرب على دوي الحرب العظمى ! .. يكتب لطفي في مجلة ” المستقبل ” عام 1949م والتي كانت تصدر في عدن :


” وتتجسم أشباح الفقر حالكة في أسمالٍ من البطالة يحدوها جائشٌ من الإنسانية ( Humanitarianism ) وهنا تنتفض أحاسيس فنيَّة جديدة ما كانت لتسكب الألم والرحمة في كأس الأدب وقد كان لا يبرق إلا في قصور السادة واللوردات ” ..

ويزحف لطفي خلف إبسِن في مسرحياته الخالدة ” أشباح ” Ghosts , ” كاتلين ” Catiline , ” عشَّاق ” Lovers , ” بير جِنت ” Peer Gynt . . فيقف على تلك المشاهد الإنسانية التي جعلت تئن تحت فساد الهيكل الأخلاقي .. يتلمس جروح أوروبا الدامية قبل أن تنهكها الحروب ، فيؤمن بالإنسان ويرى في مسرحيات إبسن جمحةً عارمة من الثورة على الطغيان فما هي إلا مسرحيات وطنية تستفز الشعب ! ..

هذه الأحاسيس __ الإنسانية في جوهرها ، كلها كانت قد دخلت في شعره ، رهناً بمجانسة من تخاطبهم هذه الروائع ومقدرتهم على تذوقها .. وهذا ما اعتدنا تحديده بوسم : المواهب المثقفة ، كونها هنا .. ونعني هذه النتاجات التي تتربع القمة في الأدب ، توقظ الحياة الكامنة في النتاج الشعري ! .. وكان لطفي من جنس هذا الأدب ، فوق موهبته ” الطبيعية ” والكاملة التي تجلت في شعره ..

*
اأ
فمتى كان هذا حال الشاعر الكبير لطفي جعفر أمان ، ومن على شاكلته من أهل الأدب ، وهم على هذا القدر من التمكين للتفاعل الإبداعي ، ومع ذلك لا يظهرون في المشهد الثقافي العربي ! ترى كيف لنا أن نضع اليمن على خريطة الأدب العربي ___ قبل أن نذهب إلى ( العالمية ) .. غايتنا : وحدة الثقافة العربية ؟!

البحث في الملابسات الموضوعية لهذه الظاهرة مسألةٌ شغلت أذهان كثير من المثقفين العرب … وسبق أن ألمعنا بها إلى واقع حال الأديب في اليمن وهو يعيش ويفكر ويبدع في أرض الضياع ! تحدونا الرغبة في ذلك للوصول إلى آفاقٍ مفتوحة تنهي هذه القطيعة التي غيَّبت وجوه الشعر العربي لا في اليمن وحدها … بل _وكما يرى نفرٌ من المثقفين العرب _ في كل قطر عربي عن ( الكل ) العربي ، وحيث كان حريا بنا أن نتضامن مع كلمة ( العربي ) التي هي من الشمولية والاتساع ما يليق بالجهود المبذولة على امتداد الساحة العربية .”9″

غير أنه ما كان ينبغي لنا أن نتوقف حيث انتهى رأي هؤلاء المثقفين في تحليلاتهم جد الدقيقة ، وذلك بُغية إحداث تغيير بنيوي حقيقي في النظام العربي بما ينعكس على العلاقات الثقافية العربية _ العربية .. بل كان يتوجب علينا أن نمضي إلى ( حديث الفعل ) وقد أصبح هذا الرأي في حكم المنتهي ! .. حيث أن هذا الانكسار وهذه القطيعة وهذا الضياع في حياة المبدعين العرب ، إنما يرجع بالأساس ( وهذا من منظور ” رؤية مستقبلية perspective ” كان قد أوعز بها كثير من المثقفين العرب في عصرنا ) إلى :

” ذلك الانفصال الحاد الذي يضرب بجذوره في بنية الجماعة المثقفة العربية بفعل الأوضاع السياسية السائدة ، لتصبح الإبداعات الثقافية قُطريَّة أو تكاد .. ويصبح النتاج الثقافي محكوما بالحصار داخل الحدود الجغرافية لتتوقف بذلك حركة التفاعل الثقافي ، أو تكاد ، بين المثقفين العرب ” .”10″

إنتهى

الهوامش :
_______

1 _ ليست هذه الظاهرة قصرا على عصرنا ، أو وقفا عنده ، ولطالما عصفت باليمن حالات من ” النُّكر ” على امتداد عصور الأدب … وكباحث في الأدب ينبش لنا الأديب الشاعر محمد سعيد جرادة في أعماق التاريخ الثقافي لليمن وينفض الغبار عن هذه الظاهرة ، فيكتب لنا عن حيوات شعراء وأدباء يمنيين أهملهم المؤرخون ___ أنظر في كتابه ” الثقافة والأدب في اليمن عبر العصور ” من جزأين ، صادر عن دار الفارابي ، بيروت . . وكتابه الآخر ” أعلام في الفن والأدب ” .
وينتهي الأستاذ محمد عبده نعمان الحكيمي مقدم ديوان الجرادة ” حبي لليمن ” إلى حال الشاعر محمد سعيد جرادة نفسِه وهو بما يشبه حال لطفي وغيرهما من شعراء اليمن … فيكتب : ” إن الضياع في حياة الجرادة إنما هو جزء من الضياع التام الذي ما زال يعاني منه الأدب اليمني إلى اليوم ” .

2 _ محمد عبده غانم ، له شعر غنائي وجداني ، وفي سياق وطني .. يذهب منه إلى العمق التاريخي القومي ، ولد في مدينة عدن في 15 يناير 1912م . وتخرج من الجامعة الأمريكية بيروت _ لبنان ليسانس آداب عام 1936م . ثم نال الدبلوم العالي في التربية من جمعة لندن عام 1948م ، وانتهى إلى الدكتوراه في فلسفة الآداب عن رسالته ” شعر الغناء الصنعاني ” من جامعة لندن عام 1968م .
صدرت له عدة دواوين شعرية ، ومسرحيات شعرية تاريخية .. توفي في 10 أغسطس 1994م _ في صنعاء .
نال عدة جوائز عن شعره في المسابقات الشعرية السنوية التي كانت تجريها هيئة الإذاعة البريطانية BBC __ القسم العربي للأعوام ( 1941 __ 1945 ) . . غير أننا مع ذلك ، لا نشهد له ظلالا على جدار الزمن سيان في هيئة الإذاعة البريطانية وغيرها من أضابير ووسائط الثقافة والإعلام العربي من خلال مداولاتها..أو في مداولاتها للأدب !
وما يشي بأن الجرح عميق جدا مثلما أن النفق عميق وحقيقي ، هذه الأسطر التي تنم عن انفلات شاعر _ إلى حدٍّ ما _ من غيابات هذا النفق المظلم ما يعني the coming to light of a poet ” ظهور شاعر إلى النور أو الحياة ” في فلتةمن فلتات الزمن اليمني ، بل العربي :
” كان أول شاعر يمني يكسر حواجز العزلة عن المثقف اليمني حيث استطاع أن يوصل صوت اليمن الشعري إلى خارج حدود اليمن ” ___ أنظر : كتاب ” عدن 1839 _ 1967 ” لمؤلفه نجمي عبد المجيد ، صادر عن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين 2007م ، صنعاء _ الجمهورية اليمنية .

3 _ علي محمد لقمان ، ولد في مدينة عدن عام 1918م ، وتوفي في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1979م والتي كان قد هاجر إليها مع أسرته شاردا جراء هيمنة الحزب ذي الرأي الواحد على جميع مناحي الحياة في عدن وسائر أجزاء الدولة الناشئة بٌعيد الاستقلال عن الحكم الاستعماري البريطاني .
تلقى دروسه الأولية في مدارس عدن ، ومنها إلى مصر حيث تخرج من قسم الصحافة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1946م ليسانس آداب _صحافة …. وبذلك كان أول خريج صحافة جامعي في اليمن .
شاعر وصحافي ، أصدر صحيفة ” القلم العدني ” وعمل مع والده محمد علي لقمان المحامي رائد الحركة الفكرية في اليمن في صحيفتَي ” فتاة الجزيرة ” أول صحيفة تصدر في عدن عام 1940م ، و ” Aden Chronicle ” باللغة الانجليزية .
يتميز شعره بطابع غنائي وجداني ينطوي على ملمح سياسي _ اجتماعي محمولا بالدعوة إلى قيام نهضة وطنية من خلال منشور وعيه القومي .
صدرت له عدة دواوين شعرية .. ومسرحيات شعرية ، ينشد من خلالها الحرية والحب والعدالة .

4 _ محمد سعيد جرادة ، ( 1927 _ 1999م ) .. ولد بمدينة الشيخ عثمان _ عدن ، ولم يدرس دراسة منتظمة ، فلم يتخرج قط من مدرسة ، غير أنه كان قد تلقى تعليمه على أيدي شيوخ اللغة وآدابها الأجلاء في عدن ، وتزكيتها بالإطلاع على نفائس الأدب العربي بمثابرة ونهَم للدرس ، والاستفاضة في طلب المعرفة نهلا من التراث ورفدها بما أبدعته قرائح أعلام الأدب والثقافة في عصره .
السمات العامة لشعره تتوزع بين الغزل والمديح والرثاء والحكمة والحماسة الوطنية . وما حققه من جماليات في شعره يرجع _ بحسب رأي النقاد _ إلى الصياغة الفنية الموروثة ، وإلى تجديد وابتكار في المضمون يصور فيها ما يختلج في وجدانه من مشاعر واحاسيس إنسانية تجاه الحياة .. وما يجول في ذهنه من خيال حيال الطبيعة .
صدرت له عدة دواوين شعرية .. ومؤَلَّفَأن في تاريخ أعلام الأدب اليمني .. نُشرت له قصائد وعدة مقالات في الصحف والمجلات الأدبية ، وقدَّم برنامجا أسبوعيا عن الأدب في إذاعة عدن .

5_ عبدالله فاضل فارع ، ولد في مدينة الشيخ عثمان _ عدن ، في 1926م . خريج الجامعة الأمريكية بالقاهرة ليسانس آداب عام 1952م .واصل دراسته بجامعة لندن في بريطانيا وحصل على الدبلوم العالي في التربية عام 1964م .. كما درس في جامعة فيكتوريا في نيوزيلندا .. ثم في جامعة كولومبيا بنيويورك حيث درس ادارة التعليم العالي وتخطيطه بزمالة من اليونسكو 1971م .
شاعر ، ناقد ، ومترجم .. شعره متناثر في الصحف العدنية منذ أربعينات القرن الماضي ومنها مجلة ” المستقبل ” وصحيفة ” النهضة ” .. وله دراسات في الأدب مترجمة عن الإنجليزية في مجلة ” المعلِّم ” ومقالات نقدية في الأدب ( مجلة مؤتمر الخريجين ) وغيرها من الصحف والمجلات العدنية .
من أعماله المطبوعة في هيئة كتاب :
ترجمته لمسرحية ” ننكيلي أو عسكر ولصوص ” للكاتب الأسترالي دوجلس ستيوارت ، صدرت ضمن سلسلة مسرحيات عالمية _ الكويت 1969م . وفي تونس نُشرت له ترجمة لمسرحية استرالية أخرى بعنوان ” ما آنَ الأوان ” .. وفي عدن ترجمته لكتاب ” رجال بلا نساء ” Men Without Woomen لإرنست همنجواي Ernest Hemingway , صدرت عن مطبعة جامعة عدن . وبين أيدينا مخطوط لترجمته كتاب ” الطابور الخامس ” The Fifth Column ” ل : T. S. Eliot.
توفي في عام 2008م في عدن .

6 _ في هذا السياق __ ليلاحظ القارئ الكريم أن موضوع دراستنا إنما ينصب على أدباء وشعراء الجنوب في عدن منذ أربعينيات القرن الفارط وقت أن تبدَّت بشائر هذه النهضة في عصرنا ؛ حيث كتب الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي وقتئذ فيما هو ينعي الأدب في اليمن : ” إن الحضارة المادية الحديثة قد استقرت على سواحل اليمن ” … وكأديب ومؤرخ يقتفي أثر السبل التي تسلكها الحضارات ( وفيها حضارة الأدب ) فقد رأى أنها الباعث للحياة الأدبية الجديدة .
أنظر مقالة د. طه حسين ” الحياة الأدبية في جزيرة العرب ” ضمن كتابه ” ألوان ” الصادر عن دار المعارف بمصر . ارجع كذلك إلى كتاب الأديب الشاعر أحمد السقاف ” عائد من اليمن ” الصادر في الكويت عام 1955م .
كانت عدن مركز هذه الحضارة في اليمن وفي عموم جزيرة العرب ، وقد غدت على اتصال بكبريات العواصم في المشرق العربي ، والتي استعادت مكانتها التقليدية كمراكز إشعاع فكري ( ثقافي ) من منظور كاتب غربي إثر التلاقي مع الغرب :
who adopted again its traditional role of radiating centers of learning .
ومن منظور دارسٍ هندي يشرح بدء مد جسور تواصل الثقافة العربية مع الغرب :
” Journalism (1901_50 ) has played a prominent role in the renaissance of Arabic language and literature as a whole , in general , and in the development of modern prose , in particular . It was only through journalism that , under western influence , essays and fiction were introduced into Arabic literature .
Dr. Muhsin Uthmani _ Jamia Millia
Islamiah, New Delhi . مجلة الآداب العربية _ 2002م .

7 _ كان محمد فريد أبو حديد قد ترجم ” ماكبث ” عام 1958م ، باستخدام الشعر المرسل Blank _ Verse ليقربها من القارئ العربي .

8 _ محمد عبد المعطي همشري ، أحد شعراء مدرسة ” أبوللو ” التي ائتلفت الشعراء الرومانسيين العرب ( في مصر ) : أحمد زكي أبو شادي ، علي محمود طه ، إبراهيم ناجي.، محمود حسن اسماعيل .. وغيرهم .

9 _ أنظر في كتاب رفعت سلام ” المسرح الشعري العربي ” صادر عن الهيئة المصرية للكتاب ، القاهرة 1986م .

10 _ المصدر أعلاه .

النهاية