الرئيسية / مقالات / قراءة تذوقية في مسرحية البئر للدكتور علي عبد الكريم

قراءة تذوقية في مسرحية البئر للدكتور علي عبد الكريم

 

✍🏻: بقلم : ذكرى احمد علي / محمد عمر بحاح ..

 

البئر … مسرحية غنائية للمبدع علي عبد الكريم هي منجزه الإبداعي الرابع بعد دواوينه : درة الزمان سنة 2000 و مرايا. السنابل 2012 و خارطة الصميل 2018
قراءتي هذه هي قراءة تذوقية لمسرحية البئر وليست نقدية .. وهي محاولة تعتمد على المناخ او الفضاء الذي تدور حوله المسرحية .. محاولة لالقاء بعض الضوء لفهم العمل ولاتغطي كامل المنجز الابداعي .. يضعنا المؤلف في مواجهة صادقة امام مايجري في الوطن ويختار البئر _ الماء بمايمثله من مصدر للحياة والعيش والثروة والسلطة رمزا للوطن . وقد اراد علي عبد الكريم ان يجعل من البئر الذي يدور حوله الصراع للسيطرة عليه كما يدور الصراع اليوم في اليمن مساحة للحرية والشجاعة ، بين انصار الحياة والخير والحب وبين انصار الشر والقوة والاستحواذ على كل شيء . السلطة والثروة .. وفي كل هذا ينتصر الكاتب لقيم الحرية والوطن والحب والجمال والانسان .
يدور الصراع حول البئر الواقع في قرية من قرى اليمن ، والابار في تلك القرى هي ملكية مشاعة كماهو معروف ، يردها سكان القرية والقرى المجاورة .. الناس والحيوان .. الفتيات الجميلات والاطفال والرجال .. هكذا هي البئر كما هو الوطن ملك للجميع والناس فيه شركاء في الماء والكلأ والنار ..
يبدأ الصراع عندما يظهر من يدعي انه يملك البئر وحده ، ويمنع سكان القرية من  الماء دون ان يدفعوا الثمن .. والمالك او المدعي هنا هو شيخ القريةبدعوى ان الارض التي يقع فيها البئر مرهونة عنده وقد ورثها عن اجداداه وبالتالي فان البئر ملكه .. وللشيخ في تلك القرى ، وفي اليمن عموما سلطة قهرية تستند الى قوة القبيلة والنفوذ القبلي ويفرض هيمنته على السكان عبر تلك السلطة التي تتحالف الان مع سلطة العسكر وسلطة رجال الدين الذين يفتون له بطاعة ولي الأمر ، ليشكلوا معا جنون القوة او قوة الجنون .
وبمنطق هذه القوة الغاشمة فالشيخ _ المدعي الجديد لملكية البئر يمتد نظره وطمعه الى محاولة امتلاك كل شيء وحرمان الاخرين منه .. فلا يكتفي بحرمان سكان القرية من الماء مالم يدفعوا له الثمن فحسب ! بل انه يطلب ثمنا اخر افدح هو الشرف ! والثمن الذي يطلبه كاستثناء هو وردة اجمل بنات القرية رغم انها متزوجة لكن زوجها واعد غائب في المدينة حيث يعمل ..  ترفض وردة ان تضحي بشرفها وتتصدى مع بقية فتيات واهل القرية لطمع وشجع الشيخ ومحاولاتة مرة بالاغراء عبر السماح لها وحدها باخذ الماء من البئر دون دفع ثمنة ، ومرات عبر اللجؤ الى التهديد بالسلاح واستخدام القوة ..

ان مسرحية البئر ماهي الا سرد غنائي مؤلم بلذتة ، وملذ بألمه ..، وفي الحالتين تكمن مرارة الصراع في جانبه الانساني لأن شهداء وضحايا يسقطون خلال هذا الصراع .. وحتى حين يستدعي المؤلف احداث ثورة الربيع العربي في نسخته اليمنية وبعض شعاراتها مستخدما حينا مكان اومسرح الحدث بئر القرية ، وحينا اخر تقنية السينما انما لكي يصرح للقاريء والمشاهد ان الصراع يدور على مستوى الوطن كله لاحداث التغيير المطلوب وماالبئر الا رمز لهذا الوطن الكبير ..

 

محاولا بقدر الامكان ان يمسك بامتدادات خيوط مسرحيته في طابعها الغنائي الفني الجمالي . وكذلك قدرته في جمع هذه الخيوط في لحظة الذروة المسرحية .
وثم اكثر من ملمح يستخدم فيها المؤلف ايصال هذه الصورة التي يريد تعميقها في وعي القاريء لمسرحيته الغنائية لايصال الفكرة التي يريد ايصالها ، فيخرج عن اللهجة الغنائية التي استخدمها في اغلب نص مسرحيته البئر في بعض المشاهد حين يستخدم لهجات اهل صنعاء وعدن ولحج وابين وحضرموت وتعز للتأكيد على التنوع الفريد للوطن لكن الألم والظلم واحد وكذلك الثورة ضد الحاكم الظالم ، ولايمكن الخروج من حالة الحروب والاقتتال  الا بالتأسيس لوطن جديد يعترف بتعدده لكنه ايضا لايفرط بوحدته عنوان رحلته هذه المرة السلام والعدل وسيادة القانون والدولة المدنية الحديثة . وفي هذه الحالة او النهاية التي ارادها مؤلف مسرحية البئر لافرق ان كان هذا نابعا من وعي الكاتب علي عبد الكريم اومن وعي ابطال مسرحيته الغنائية وهي محاولتة الأولى المنشورة على الأقل ، فاني اعتقد انه لاتعارض بين وعي المؤلف ووعي ابطاله ، فعلى الدوام يوجد ذلك التشابك في العمل الابداعي سردا كان اوشعرا لتشكيل وعي المتلقي ..
في الأخير فاني اتمنى الا يبقى هذا   النص الغنائي الجميل لمبدعنا علي عبد الكريم بين دفتي الورق ، بل ان يجد طريقه الى خشبة المسرح على يد مخرج واع يخرج لنا المكامن والمقاصد الرائعة والفكرية والصراعية والفنية لمسرحية البئر . واعتقد ان خير من يتصدى لذلك هي مخرجتنا وفنانتنا الكبيرة الموجودة بيننا اليوم الاستاذة ذكرى احمد علي . وهي فنانة لها رؤيتها الفنية والفكرية ولعلها تجعلنا نتذوق هذا المنجز بمذاق الرؤية والمشاهدة البصرية الممتعة وليس فقط بمذاق التخيل ومتعة القراءة .